فيلم ريش (Feathers) هو أول فيلم روائي طويل للمخرج
المصري عمران الزهيري، صدر عام 2021. يتميز الفيلم بكونه إنتاجًا مشتركًا بين مصر
وفرنسا وهولندا واليونان، ويجمع بين الواقع والخيال لتقديم سرد فني مميز. (المصري اليوم)
القصة تدور حول
أسرة مصرية تعيش حياة رتيبة تحت سيطرة الزوج، الذي يتحول فجأة إلى دجاجة نتيجة خطأ
من الساحر أثناء حفل عيد ميلاد الطفل، ولا يستطيع الساحر إعادة الزوج إلى طبيعته.
هذا التحوّل المفاجئ يدفع الزوجة لأن تتحمل مسؤوليات الأبوة والأمومة سويةً، وتبدأ
رحلة جديدة من القوة والاستقلالية وسط ظروف صعبة. (24)
الجوائز
والإنجازات
فيلم ريش حصل
على عدد من الجوائز المرموقة، خصوصًا في المهرجانات الدولية والعربية:
- جائزة
أسبوع النقاد الكبرى (Le Grand Prix, Critics’ Week) في مهرجان كان السينمائي، دورة
74.
(القاهرة
24)
- جوائز
النقاد للأفلام العربية (مركز السينما العربية)؛ حيث فاز ريش بالجائزة الكبرى
لأحسن فيلم، وأفضل مخرج (لعمر الزهيري)، وأفضل سيناريو مع أحمد عامر. (صحيفة
درة الإلكترونية)
- نجمة
الجونة الذهبية كأفضل فيلم عربي طويل في مهرجان الجونة السينمائي. (إرم نيوز)
- جوائز
أخرى مثل التانيت الذهبي في أيام قرطاج السينمائية، جائزة أفضل ممثلة، جائزة
أفضل سيناريو، وجائزة الطّاهر الشريعة للعمل الأول. (cinematechhaddad.com)
تلك الجوائز
ترسّخ أن ريش لم يكن مجرد فيلم محلي عادي، بل عرضٌ لمساحة سينمائية حديثة تجريبية
في مصر، لها قبول نقدي عالمي وعربي كبير بالرغم من الجدل المحلي.
الجدل: ما الذي
أثاره الفيلم؟ ولماذا قوبل بمقاومة؟
الفيلم أثار
جدلاً واسعًا في مصر بعد عرضه في مهرجان الجونة، ومعه ظهرت عدة أبعاد للنقاش:
أسباب الجدل
- التمثيل
البصري للفقر والمهمشين
العديد من من انتقد الفيلم رأوا أن ريش يُظهِر الجانب القبيح من الفقر، العشوائيات، البؤس، بطريقة توضع كواجهة أمام الجمهور. الانتقادات تقول إنه تجاوز حد التعبير الفني إلى التشويه أو التركيز المفرط على السلبيات، في الوقت الذي لا يرى فيه البعض أن هذا هو الواقع كله. (الأيام) - الإساءة
المزعومة إلى سمعة مصر
هذا هو الاعتراض الأكثر وضوحًا: بعض الفنانين والمسؤولين اعتبروا أن الفيلم يقدم صورة سلبية عن مصر تضرّ بسمعتها، من حيث الفقر، التهميش، وعدم وجود أمل أو حلول. (اليوم السابع) - التمثيل
الفني والممثلون
الزهيري اختار في الفيلم ممثلين غير محترفين، وهذا القرار لقي تأييدًا من بعض النقاد الذين رآوا فيه تأصيلًا للعفوية والواقعية، لكنه لقي نقدًا من آخرين يرون أن الأداء أو التمثيل قد لا يصل إلى درجة الاحتراف المطلوبة، خاصة عندما يُعرض الفيلم في محفل كبير. (العربية) - الاختلاف
في التوقعات بين الجمهور المحلي والدولي
ما قد تُقبله مساحة فنية أو مهرجانية دولية أو نقدية، قد يصعب قبوله العام في الداخل، خصوصًا إن كان الجمهور المحلي أو بعض الفنانين يشعر بأن الفيلم "يُباع" لمقاييس أجنبية من حيث النقد، أو أن الرسالة التي يُراد إيصالها تُستخدم لتشويه صورة البلاد دون مراعاة متوازنة. (بي بي سي)
مَن من
الفنانين اعترض؟
من المعروف أن
عددًا من الفنانين حضروا عرض ريش في الجونة، وغادروا القاعة اعتراضًا. من بينهم:
- شريف
منير ، الذي قال إن الفيلم “مسيء لمصر”. (اليوم
السابع)
- أشرف
عبد الباقي (اليوم
السابع)
- أحمد
رزق (اليوم
السابع)
بالإضافة إلى
ذلك، برلمانيين ومحامين تقدّموا ببلاغات تتهم صناع الفيلم بـ “الإساءة للدولة
المصرية والمصريين”.
(العربية)
ردود الفعل
المُدافعة
من الجانب
الآخر، هناك من دافع عن ريش باعتباره فيلمًا تجريبيًا وفنيًا ذا رسالة مهمة:
- الفنانة
هالة صدقي علقت بأن الفيلم تجربة تجريبية، وأنه لا يجب أن يُؤخذ حرفيًا
كوثيقة واقعية بالكامل، وإنه يُعد طرحًا فنيًا أكثر منه تقريرًا تسجيليًا. (الموجز)
- الناقدة
ماجدة خيرالله دافعت عن الفيلم، مشيرة إلى أنه استحقّ الجوائز التي حصل
عليها، وأن النقد الموجه له في بعض الأحيان مبالغ فيه. (فالفن)
- المخرج
نفسه عمر الزهيري، في مقابلات، ردّ بأنه اختار ممثلين غير محترفين عمدًا
لتحقيق نوع من الواقعية، وأن الهدف هو تسليط الضوء على المهمشين لا التشهير
بهم.
(العربية)
لفهم لماذا
أثار ريش هذا التفاعل، يمكن النظر إلى عدّة عناصر فنية وأدبية في الفيلم:
- الخيال
والسريالية كأداة نقدية
تحوّل الزوج إلى دجاجة ليس حدثًا واقعيًا، بل هو عنصر خيالي يُستخدم لإحداث فجوة رمزية: الرجل الذي كان مركز المنزل، المتحكّم، يتحوّل إلى كائن لا قدرة له، مما يفتح الباب أمام إعادة توزيع الأدوار، ومسألة الاعتماد، والتغير في هوية النظام الأبوي في المنزل والعائلة. هذا التحوّل يرمز إلى غياب القوة، وربما إلى أن الألفاظ والأدوار الاجتماعية ليست ثابتة. - المرأة
كعنصر محوري لتحول داخلي وخارجي
الزوجة في الفيلم لا تظهر كشخصية هامشية، بل هي مركز الصراع بعد التحوّل، مسؤولة عن الحفاظ على الأسرة بعد أن تسقط كل التوازنات. الرحلة التي تمرّ بها من الخضوع إلى السيطرة ومن الصمت إلى الصوت هي رحلة قوية تعكس تجارب اجتماعية حقيقية لكثير من النساء، اللاتي يجدن أنفسهن مضطرات لتحمّل الصمود في الظل ثم الظهور. - الواقعية
الاجتماعية والمظهر البصريّ
الفيلم لا يقدم فقط فكرة فلسفية أو رمزية، بل يعتمد على التصوير الحادّ لحياة الأحياء الفقيرة والعشوائيات، البيئة المقفولة، التوزيع المكاني، الضيق، العزل. هذه التفاصيل البصرية تُغذي الرسالة، لكنها في نفس الوقت تفتح باب الانتقاد، إذ إن بعض المشاهد قد تبدو مبالغًا فيها أو مختارة بعناية لتصوير فئة معينة فقط. - الصوت
الداخلي والعالم الخارجي
هناك علاقة بين ما تراه المرأة داخل البيت وما يقع خارجه، بين ما تسمعه وما لا تسمعه (صوت الجيران، صوت المجتمع، صوت الدولة)، وبين ما تفعله وما لا تفعله؛ الفجوة بين الداخل والخارج تُستخدم في الفيلم للتعبير عن التهميش ومنطق السلطة الأبوية، وأيضًا لطرح فكرة كيف أن واقع الفرد قد يكون ضيقًا جدًا حتى لا يستطيع الحركة الحقيقية. - الإخراج
والتصوير والاختيار التمثيلي
عمر الزهيري اعتمد على تباين بين الأداء الواقعي/العفوي من ممثلين غير محترفين وبين الأداء الرمزي، كما أنه استخدم تركيبات بصرية تضيف ثقلًا إلى المشاهد، مثل المقربات، الإضاءة الخافتة، الصوت الخفيض في بعض المشاهد، السكون قبل الانفجارات العاطفية. هذه العناصر تجعل الفيلم أكثر إثارةً للتفكير، لكنها أيضًا أكثر إثارة للانقسام، إذ ليس كل المشاهد يُحب هذا النوع من السينما الثقيلة أو الرمزية.
لماذا الجدل
خصوصًا الآن ؟
- الحساسية
تجاه صورة مصر داخليًا وخارجيًا: هناك
دائمًا نقاش حول كيف يُعرض المجتمع المصري، وما إذا كانت الصور التي تُعرض
تعكس الواقع بأمانة أو أنها تُستخدم لتقديم رسالة معينة تُفسد الصورة العامة
للدولة. في السياق السياسي والاجتماعي، أي تقديم مبالغ فيه للفقر أو التهميش
قد يُفسّر على أنه هجوم أو التشهير.
- الفرق
بين ما يعتبره الجمهور الوطني “نقاشًا فنيًا” وما يعتبره “تشويهًا”: ليس كل من
يعترض على فيلم مثل ريش يفعل ذلك من منظور فني بحت، بل من منظور شعبي، عاطفي،
أو وطني. فالأفلام التي تُعرض في مهرجانات دولية غالبًا ما تُرى لدى بعض
الجهات على أنها “موجهة للجنة النقدية” أو “للسوق الخارجي” وليست موجهة
للجمهور العام.
- اختلاف
التوقعات من التعاون الدولي والإنتاج العالمي: إذا فيلم ما يُنتج بالتعاون مع
جهات خارجية ويحصل على إشادة دولية، يُتوقع منه أن يُظهر صورة مُتوازنة أو
إيجابية، أو أنه يدير الانتقاد بحذر؛ أي تجاوز معين في العرض المحلي قد
يُفسّر على أنه تجاهل لحسّ وطني.
- السياق
الاجتماعي والاقتصادي والاعلامي: في
فترات الأزمات، سواء اقتصادية أو اجتماعية، يظهر حساسيات أكبر تجاه عرض الفقر
أو التهميش. الجمهور قد يشعر أن الدولة تبذل جهودًا في التنمية أو في
المعالجة، وهذا الفيلم يُرى من بعضهم على أنه “تركيز على السلبيات” فقط، دون
إظهار التحديات الجاري التعامل معها.
إنني أرى أن ريش
عمل مهم وجرئ، يُدخل السينما المصرية إلى فضاءات جديدة من التجريب والرمزية
والمخاطرة. فيما يلي نقاط القوة والضعف كما تراها من زاوية فنية:
نقاط القوة
- الجرأة
في الفكرة: فكرة تحوّل الزوج إلى دجاجة رمزية وتمديد هذا التحوّل ليكون
مركزًا للنظر في الأدوار والأعباء والاعتماد والتغيير الاجتماعي.
- التركيز
على المرأة داخل المجتمع، وتحميلها مسؤوليات مزدوجة، وتجسيد رحلة تطور بسيط
لكنها عميق.
- الإخراج
المرئي القوي، استخدام التصوير، المشاهد الخارجية والداخلية، الصوت، الضجيج
والعزل، كلها تضيف بعدًا شعوريًا ثابتًا.
- الممثلون
غير المحترفين أحيانًا يعطون روحًا حقيقية، خاصة في التعامل مع المهمشين
والواقع الصعب، دون تأدية تمثيلية “سينمائية مثالية”.
نقاط الضعف أو
النقد المحتمل
- قد
يشعر بعض المشاهدين أن الفيلم “يتأخر في الحركة” أو مُمْل في فترات من
التمهيد للواقعة الخيالية — من الناحية الدرامية، الانتقال من الواقع إلى
الخيال ثم التعايش مع التبعات يمكن أن يكون صادمًا لكنه يحتاج إلى توازن.
- استخدام
الفقر والمهمشين كخلفية درامية، لكن دون تقديم حلول أو أمل محسوس قد يجعل
الفيلم يبدو تشاؤميًا أو استغلاليًا للمأسوية.
- أن
يتحول النقاش الفني إلى سجال سياسي أو وطني قد يُخسِر الفيلم فرصته للوصول
إلى جمهور أوسع، لأن بعض الجمهور قد يرفض المشاهدة إن شعر أنها “تهمّش” صورة
بلاده.
فيلم ريش عمل
فني يستحق الانتباه، ليس فقط لأنه تجربة إخراجية أولى، بل لأنه طرح أسئلة حول
الهوية، السلطة، الأسرة، التهميش، والفُرق بين الداخل والخارج في رؤية الإنسان
لحالته الاجتماعية. الجدل الذي أحاط به كان نتيجة طبيعية لهذه المشروعات الفنية
التي تكسر الأعراف: هناك من يرى أن الفن يجب أن يكون جميلًا ومشرّفًا للبلد
والناس، وهناك من يرى أن الفن واجبُه أن يرصد الحقيقة، حتى إن كانت قاسية، ليثير
النقاش والتغيير.
في النهاية،
قيمة ريش هنا أنها فتحت بابًا للنقاش: ما الذي نريده من السينما؟ هل هي مرآة
للتجميل أم مرآة للمجتمع كما هو، بكل تناقضاته؟ وهل من حق الفن أن يُثير الضيق
والرفض لأنّه يُظهر الجانب المكبوت والمهمّش؟


الفيلم حقيقي جدا
ردحذفابداع
ردحذفالفيلم ده كشف حقيقة ناس كتير في الفن
ردحذفيييي
ردحذف