هل هناك جديد يمكن كشفه عن انتصار مصر العظيم على إسرائيل فى السادس من أكتوبر ١٩٧٣ ؟
علاقة انتصار أكتوبر بما يجري الآن ...
السادس من أكتوبر: بين ذاكرة النصر وواقع المنطقة اليوم
في كل سنة، حين يحين السادس من أكتوبر، يعاود الوجدان القومي المصري استدعاء مشهد العبور والانتصار الذي سجله جيش مصر عام 1973. ليس الهدف هنا إعادة سرد المعارك أو تقديم معطيات تاريخية جديدة — فالتاريخ مسجّل — لكن ما يهمّنا هو قراءة هذا الانتصار من منظور اللحظة الراهنة: أيّ أثر تركه ذلك النصر على موقع مصر في المنطقة؟ وكيف ينبغي أن نفهم معنى هذا الاحتفال ونحن نعيش ظروفاً وجيوسياسية مختلفة تماماً عن سنوات ما قبل وخلال الحرب؟
انتصار أكتوبر: نقطة فاصلة في حسابات القوى
يمكن القول بلا مبالغة إن حرب 6 أكتوبر 1973 مثّلت استدعاءً لقوة عربية منظّمة قادرة على تحدي مشروع إقليمي مدعوم وقوي. على المستوى العسكري والرمزي معاً، أدركت الأطراف الإقليمية أن هناك قوة قادرة — مؤسساتاً ومردوداً — على أن تُغيّر من موازين القوى، ولو مؤقتاً. هذا الإدراك ظلّ عاملاً استراتيجياً في حسابات الخصوم والحلفاء على السواء، حتى بعد توقيع اتفاقات سياسية بين دول.
لكن الأهم من مجرد لحظة النصر هو ما تلاها من دروس استراتيجية: أن وجود جيش منظّم وقادر ومُجهّز يجعل للدولة ثقلها في الساحة الإقليمية، وأن التفكك أو الضعف المؤسساتي يسهّل تدخلات وإملاءات خارجية.
لماذا صمدت مصر؟ وما علاقة ذلك بأكتوبر؟
الاستمرار في الحفاظ على مؤسسات عسكرية قوية، وتحديثها، وتنويع مصادر الدعم والعتاد، كل ذلك منح مصر قدرة على حماية مصالحها الوطنية والمحافظة على سيادتها في محيط إقليمي مضطرب. لا أقول إن التحديات اختفت؛ بل على العكس، فالأطراف الإقليمية والدولية لا تتوقف عن اختبار حدود النفوذ. لكن وجود جيش وطني قوي يُعدّ عاملاً ردعياً أساسياً يمنع أن تصبح الدولة لقمة سائغة أمام ضغوط وتدخلات مباشرة أو غير مباشرة.
الدرس المركزي هنا: النصر ليس مجرد حدث عسكري في وقته، بل ترسانة استراتيجة تمتد أثرها عبر عقود عندما تُحوّل المناعة العسكرية إلى قدرة وطنية شاملة تحمي القرار والسيادة.
ما الذي تغير في المنطقة ؟ ولماذا يبدو المشهد أكثر خطورة الآن ؟
المنطقة شهدت — وما تزال — تحولات متسارعة: صراعات أهلية، تدخلات خارجية، انهيارات مؤسساتية، وظهور قوى غير نظامية قادرة على إحداث زعزعة. بعض الدول مرّت بتفكّك مؤسساتها العسكرية أو السياسية، مما سهّل أطماعاً أو تدخلات أجنبية أو تفوّقاً لقوى إقليمية منافسة. هذا الواقع لا يجعل النصر العسكري التاريخي أقلّ قيمة، بل يبرز أهميته: وجود قوة منظّمة وموثوقة داخل الدولة يحدّ من قدرتها على الانهيار أمام الضغوط أو الاجتياح التدريجي للنفوذ الخارجي.
من هنا تأتي أهمية النظر إلى أكتوبر ليس كمجرّد ذكرى، بل كدرس مستمر: الاستثمار في القدرات الدفاعية، في التدريب، في التنظيم، وفي تعدّد مصادر الدعم اللوجستي والتقني — كلها ثوابت لا بدّ من الإبقاء عليها.
التنويع العسكري والاعتماد على الذات
أحد أسباب قدرة أي جيش على الاستمرارية هو تجنُّب الاعتماد المفرط على شريك واحد أو مورد واحد للسلاح والتدريب والدعم المعلوماتي. التنويع يجعل المؤسسة أصعب في الابتزاز أو الضغط. هذا لا يعني رفض التعاون الدولي، لكنه يعني سياسة أكثر مرونة تحفظ القدرة على اتخاذ قرارات سيادية دون الابتزاز.
أمثلة محيطة — ما الذي علمتنا إياه التجارب الإقليمية؟
شهدت بعض البلدان في المنطقة تفكّكاً مؤسساتياً أو تدهوراً أمنياً أو سياسياً أجّجت تدخلات خارجية أو أدّت إلى تقويض استقلال القرار الوطني. تجارب عديدة أكدت أن انهيار المؤسسات العسكرية أو فقدانها للموثوقية يؤدي إلى هشاشة الدولة أمام تداعيات داخلية وخارجية. بالمقابل، الدول التي حافظت على حد أدنى من الاستقرار المؤسساتي استطاعت أن تظلّ فاعلة في الميدان السياسي الإقليمي.
إنجازات وتحديات: قراءة متوازنة
لا ينبغي أن نغفل أن الحفاظ على قوة عسكرية حديثة لا يعني بالضرورة حلّ كل المشكلات. القوة وحدها لا تكفي إن لم تقترن بسياسات خارجية ذكية، باستراتيجية أمنية متكاملة، وبقدرة على بناء تحالفات إقليمية منصفة تحفظ المصالح الوطنية. كما أن هناك دائماً تهديدات غير تقليدية — حرب معلومات، هجمات إلكترونية، قضايا اقتصادية واجتماعية — كلها يمكن أن تؤثر في أمن الدولة إذا لم تُؤخذ في الاعتبار.
تحية للأبطال ودرس للأجيال
في هذا اليوم نقف تحية لعناصر الجيش والضباط والشهداء والجرحى الذين ضحّوا من أجل الوطن. التقدير لا يقتصر على ذكرى عابرة، بل يجب أن يمتدّ إلى الالتزام بالحفاظ على مؤسسات الدولة وتطويرها. الذكرى مناسبة لتذكير الأجيال بأن السيادة تُدافع عنها مؤسسات وطنية قوية، وأن التهاون في بناء هذه المؤسسات يُعرّض الدولة لمخاطر كبيرة.
ماذا يعني الاحتفال الآن؟
الاحتفال بمرور 52 عاماً على نصر أكتوبر ليس استعادة لمجدٍ منقوص، بل تجديد لعهد يبقى سارياً: أن نحافظ على قدرتنا، نعمل على تطويرها، ونعلم الأجيال القادمة أن الاستقرار والكرامة الوطنية لا يُهدى بل يُبنى ويُصان. في ظل بيئة إقليمية متقلبة، تبقى مصر — بجيشها وشعبها ومؤسساتها — حجر الزاوية في أي حسابات مستقبلية للمنطقة. فلتكن ذكرى السادس من أكتوبر ليست مجرّد استرجاع للماضي، بل دافعاً عملياً لبناء حاضرٍ أقوى ومستقبلٍ أكثر أمنا .


قال بيقولك خط برليف اقوي خط هههههههه
ردحذفتحييا مصرر..
ردحذف